Wednesday, April 28, 2010

التجسس التكنولوجي

"التجسس التكنولوجي" حرب خفية لتخريب العالم

الجاسوسية ظاهرة قديمة قدم التاريخ الإنساني، تطورت في كل مجتمع بقدر يناسب ما لديه من وسائل لجمع المعلومات ونقلها


وتحليلها، وثمة عوامل عديدة تزيد أهمية هذا النشاط يأتي في مقدمتها ما يشهده العالم من تقدم تقني هائل أصبح العنصر الحاسم في الصراعات، وهو التقدم الذي وفر وسائل لجمع المعلومات وتحليلها أكثر دقة وأصغر حجمًا وأوسع مدى... إلى غير ذلك من الصفات التي جعلت هذه الظاهرة تدخل عهدا جديدا في تاريخها الممتد.
هذا باختصار ما تناوله كتاب "التجسس التكنولوجي.. سرقة الأسرار الاقتصادية والتقنية" (دراسة في المجتمع ما بعد الصناعي) لمؤلفه ممدوح الشيخ، الصادر حديثًا عن مكتبة بيروت (سلطنة عمان)، وتحدث في أول فصوله عن الفترة التي تؤرخ للحقبة التي تبلورت فيها الظاهرة التي ترجع إلى ما قبل التاريخ، حيث مارسها وأشرف عليها ملوك الفراعنة وكهنة المعابد والتجار.
ممدوح الشيخ رصد في الفصل الأول للكتاب تحت عنوان "الجاسوسية الاقتصادية والتقنية بين قرنين" بدايات تلك الظاهرة، التي ترجع إلى القرن 16، وهي الحقبة التي شهدت أول عمليات التجسس الاقتصادي المنظم، وقد مارستها عائلة فاجرز التي كانت تعيش في أوجسبيرج وكانت تقرض الملوك، وامتلكت هذه الأسرة جهاز مخابرات مكونًا من مجموعة من العملاء زرعتهم في القصور الملكية، وكانت تصل منهم المعلومات التي مكنت هذه العائلة من بناء إمبراطورية مالية واستثمارية ضخمة في أوروبا كلها.
ومع الثورة الصناعية ولدت الجاسوسية التقنية، ففي عام 1783 أقام رجل الأعمال الألماني جوهان جونفريد بروكلمن أولى منشآت الثورة الصناعية في القارة الأوربية، وكانت الثورة الصناعية قد بقيت وقفا على بريطانيا إلى أن قام هذا الرجل بإنشاء مصنع لحلج القطن سرق فكرته من مصنع غزل بريطاني، وهذه أول عمليات التجسس التقني المعروفة، وإذا أخذنا في الاعتبار عامل الزمن فإنها تعد بغير شك عملية مثيرة.
الجاسوسية الاقتصادية.. درس قديم
وبحسب الكاتب، فإن عمليات الجاسوسية الاقتصادية خلال الحرب العالمية الثانية تعتبر درسا قيما، فقد بعث جاسوس ألماني عمل في اليابان لحساب الاتحاد السوفييتي يدعي ريتشارد سيرج رسالة قصيرة تضمنت معلومات اقتصادية غيرت مسار الحرب بل كان لها أثر حاسم في هزيمة ألمانيا.
رسالة سيرج تقول: "إن مصانع الملابس تنتج ملابس صيفية خفيفة ومصانع الثلج في اليابان تعمل بكامل طاقتها وتتوسع في إنتاج الثلج".. ومن هذه الكلمات تأكد السوفييت أن العمليات العسكرية اليابانية سوف تتجه إلى جنوب آسيا، حيث الجو شديد الحرارة والرطوبة، وبهذه المعلومة المستنتجة استطاع السوفييت توحيد جيشهم على الجبهة الألمانية ليسجلوا انتصارًا حاسمًا على الجيش النازي الذي كان يعتمد على انقسام الجيش السوفييتي على جبهتين: في الشرق لمواجهة اليابان وفي الغرب لمواجهته.
وقد أفاقت أمريكا عام 1945 على فضيحة اتهم فيها مسئولون بتبديد 20 مليون دولار في مشروع فاشل لبناء طائرة ضخمة، وراجت شائعة مفادها أن النساء وحفلات الترفيه والخمر كان لها دور كبير في الحصول على الموافقة.
ولأسباب عديدة أصبحت القضية موضع اهتمام أجهزة الإعلام الأمريكية، وبدأ حجم الظاهرة يتضح فإذا هي ضخمة تضرب بجذورها في معظم مجالات الاقتصاد الأمريكي. وبرغم أن الضجة ثارت بسبب استخدام الجنس بشكل واسع لزيادة المبيعات أو التأثير في قرارات بعض المسئولين، إلا أن التجسس الاقتصادي والتقني احتلا موقع الصدارة، وأصبحا أخطر ما يخشاه الأمريكيون على اقتصادهم.
"حادثة توشيبا"
تحدث الكاتب عن التجسس التكنولوجي، وبخاصة الموجه إلى المنتجات العسكرية والمصنوعات، واعتبره حقيقة من حقائق السياسية الدولية لقرون مضت من القوس والسهم إلى الصواريخ، حيث إن الوحدة العسكرية جيدة التجهيز هي التي تكسب المعركة، وقد انتبهت أمريكا مبكرًا لضرورة الحفاظ على الأسرار التقنية الغربية من التسرب للاتحاد السوفييتي وحلفائه فأنشأت بعد الحرب العالمية الثانية منظمة متخصصة تسمى (Coordinating Committee Multilateral Export Controls) المعروفة اختصارا باسم " COCOM" كوكوم، وهى لجنة سرية عن طريقها كانت تتم مراقبة التجارة مع الكتلة الشرقية.
واعتبر الكاتب أن "حادثة توشيبا" تعتد علامة فارقة في تاريخ هذه الظاهرة، ففي مارس 1987 اكتشف أن شركة توشيبا اليابانية عقدت بالتعاون مع شركة نرويجية كبيرة صفقة قيمتها 18 مليون جنيه إسترليني باعت بمقتضاها معدات إلكترونية للاتحاد السوفييتي يصفها مراقب ياباني بأنها روبوت دنياصوري بارتفاع 30 قدما واتساع 60 قدما.. وبفضل هذه المعدات أصبح الاتحاد السوفيتي قادرًا على بناء غواصات أقل ضوضاء تستطيع الهرب من أجهزة الرصد البحرية والنتيجة أن الغرب سيتكلف 30 مليار دولار لإنتاج أجهزة لرصد الغواصات أكثر فاعلية.
"القوى الكبرى من التحالف للصراع" هو عنوان الفصل الثاني للكتاب، الذي يتناول التحذيرات والتصريحات والدراسات الصادرة من كل عواصم الدول الصناعية تقريبًا، وتتحدث عن الجاسوسية الاقتصادية والتقنية محذرة من خطرها ومعلنة بداية عصرها الذهبي، وحسب تقرير صدر عام 1993 فإن أكثر دول العالم ممارسة للتجسس الاقتصادي في العالم: أمريكا، فرنسا، الصين، اليابان، وإسرائيل.
أما الفصل الثالث، فقد جاء تحت عنوان "جاسوسية القرن الـ21"، وقال فيه الكاتب: "بعد الحرب الباردة دخلت ظاهرة التجسس الاقتصادي والتقني مرحلة جديدة بعد الحرب الباردة ففي أمريكا انتقلت المخابرات لمرحلة جديدة في أنشطتها عندما انهمك عملاؤها في جمع المعلومات المتعلقة بأوضاع الحكومة الأجنبية التي تدخل في مفاوضات تجارية معها، كما أصبحت تجمع بانتظام المعلومات الخاصة باحتمالات حدوث انطلاقة علمية أو فتوحات واكتشافات جوهرية في معامل الدول الأجنبية، وكذلك القرارات التي تمس المصالح الأمريكية".
"الاستخبارات التنافسية"
ونظرًا لكون التجسس الاقتصادي يستهدف في المقام الأول شركات تجارية، فإن خدمات التجسس والتجسس المضاد أصبحت سلعة رائجة، وكما كانت أمريكا أول مكان تتبلور فيه الظاهرة، أصبحت أول مكان تظهر فيه وكالات تجسس خاصة تقدم خدماتها للشركات تحت اسم "الاستخبارات التنافسية"، ويقصد بها "جمع المعلومات الصناعية وتحليلها وتوزيعها"، وتضم العاملين في هذا المجال جمعية محترفي التجسس الصناعي التي تأسست عام 1986، ويبلغ عدد أعضائها نحو 2800 رجل (80% منهم أمريكيون) موزعون في 31 بلدا.
وبرغم حداثتها النسبية، تعد حرب المعلومات أخطر أشكال التجسس على الإطلاق فهي من الشمول والخطورة بحيث يمكن أن تصبح خلال سنوات قليلة أهم أشكال الصراع في العالم.
كيف تخرب دولة من الداخل؟
في الفصل الرابع من الكتاب الذي يحمل عنوان "كيف تخرب دولة من الداخل" يقول الكاتب: على أعتاب القرن 21 يواجه العالم الإسلامي تحديات في مجال الاقتصاد تبلغ الغاية في الخطورة، وتطرح هذه التحديات الماثلة على صانع القرار مسئولية جسمية تتمثل في ضرورة حماية ما أمكن إنجازه على صعيد التنمية في مختلف أقطار العالم الإسلامي من غوائل التجسس والتخريب.
ويضيف الكاتب: إذا كان ديننا الحنيف ينهى كل مسلم عن الاعتداء على حقوق الآخرين، سواء كان ذلك مستطاعا أم لا، فإن التجسس التقني بمفهومه التقليدي الشائع من حيث هو سطو على نتاج جهد الآخرين يكون على رأس قائمة الممنوعات التي يجب علينا الالتزام بها، وإن كان الوجه الآخر لهذا الموقف أن نعد لأعدائنا ما استطعنا من القوة وأن نتسلح بالفطنة والكياسة فهما من أسلحة المؤمن. وأن نغلق كل ثغرة يمكن أن ينفذ منها عدو للإضرار بحقوق أمتنا أو سرقة نتاج جهد أبنائها.
أما الفصل الخامس الذي حمل عنوان "نحو مفهوم جديد للأمن الاقتصادي العربي" فهو خارج سياق هذا العرض.. وختام الكتاب فكان الفصل السادس شرح فيه الكاتب "كيف نقاوم التجسس الاقتصادي والتقني؟"، واعتبره مهمة شاقة لكون الظاهرة شاملة متشعبة وفى الوقت نفسه جديدة على كثير من الأجهزة الأمنية، وإذا كانت هذه الدراسة قد استعرضت تاريخ الظاهرة، فإن تكوين تصور شامل محدد القسمات لمواجهتها يعد طموحا كبيرا.
ومن المفيد أن يحتوي هذا الفصل على توصيات محددة مستفادة من الفصول السابقة بحيث يستطيع أي مسئول أن يجد فيه قدرًا من المقترحات المفيدة له دون إغراق في مناقشات نظرية قد تأتي فيما بعد عندما تصبح الظاهرة في محيطنا العربي الإسلامي أكثر وضوحًا.


المصدر:
كتاب التجسس التكنولوجي.. سرقة الأسرار الاقتصادية والتقنية"
المؤلف : ممدوح الشيخ
مكتبة بيروت - سلطنة عمان

0 comments:

Post a Comment